
أخذت مرام شاوراً سريعاً وارتدت ملابسها الأنيقة البسيطة، ووقفت أمام المرآة تراجع ملامحها؛ شعرت أنها تغيرت كثيراً عن الماضي، أصبحت أقوى في مظهرها ولكن قلبها بات يحمل أحزاناً مضاعفة. نظرت للسلسلة التي على صدرها، لمستها بحزن وابتسمت بمرارة:
“يا ترى أنت فين دلوقتى يا عمار؟ وإيه أخبارك؟ تفتكري فاكرني ولا نسيني وبدأ حياتك بعيد عني؟ معاه حق لو نسيني، أكيد بيكرهني، ربنا يسعده ويصلح حاله.”
جهزت نفسها وخرجت مع شقيقتها، وذهبت كل منهما في طريقها نحو يوم جديد مليء بالمفاجآت.
الفصل الثالث: عاصفة في شركة الشروق
وصلت مرام إلى مقر الشركة التي تعمل بها، شركة الشروق للمعمار، وصعدت بخطوات سريعة نحو غرفة الاجتماعات بالطابق العلوي فقد تأخرت قليلاً عن موعدها بسبب صعوبة المواصلات. وبينما هي تسرع في خطواتها، صدمت بطريق الخطأ بفتاة تسير في الممر.
قالت نيفين، سكرتيرة رئيس مجلس الإدارة، بلهفة: “انتي جيتي يا مرام؟ اتأخرتي ليه كده اليوم ده بالذات؟”
مرام: “صباح الخير يا نيفين، المواصلات كانت صعبة جداً، هو الاجتماع بدأ ولا لسه؟”
نيفين: “لا لسه، تأجل شوية، بس المدير القديم مستر حسين قال أول ما تيجي تدخلي له على طول.”
مرام بقلق: “أنا لحد دلوقتى مش فاهمة في إيه، يلا هروح أطمن عليه وأعرف إيه الحكاية.”
ذهبت مرام إلى مكتب رئيس مجلس الإدارة، وطرقت الباب عدة مرات حتى سمعت صوت إذن الدخول. دخلت لتجد مستر حسين سالم، رئيس مجلس الإدارة وصاحب الشركة، يبدو عليه الإرهاق.
قال حسين بابتسامة هادئة: “اتفضلي يا مرام، تعالي اقعدي جنبي، محتاج أتكلم معاكي في موضوع مهم.”
مرام بقلق: “حاضر يا فندم، خير إن شاء الله؟”
بدأ حسين حديثه بصوت يملؤه الأسف: “انتي عارفة يا مرام أنا بعزك إزاي وبتوليكي مكانة بنتي الغالية. انتي اشتغلتِ معايا من ونتي لسه طالبة وكنتي مثالاً للأمانة والإخلاص. للأسف، أنا مريت بظروف مالية قاسية الفترة اللي فاتت، وده خلاني أضطر أبيع نسبة كبيرة من أسهم الشركة، والجزء الباقي اشتراه ابن أخويا معتز، والمدير الجديد هيستلم الإدارة الكاملة اليوم.”
نظرت إليه مرام بذهول: “نعم! حضرتك بعت الشركة يا مستر حسين؟ بس إزاي وليه؟ ومفيش حد كان يعرف!”
حسين: “الإجراءات كانت سرية وتمت عبر المحامي، وأنا مكنتش عايز حد يعرف بفلستي لحد ما الأمور تستقر. المدير الجديد وصل وهيحضر بنفسه، وأنا أوصيته عليكي لأني عارف إخلاصك.”
قالت مرام والدموع تلمع في عينيها: “ربنا يسهل يا فندم، أنا هروح مكتبي أبدا شغل.”
خرجت من المكتب وتركت لدموعها العنان؛ كانت تعتبره بمثابة والدها الحنون، وها هو ذا يترك الشركة والكل يتغير من حولها.
في ذات الوقت، كان مطار القاهرة الدولي يشهد خروج شاب في السابع والعشرين من العمر، يرتدي بذلة سوداء أنيقة تليق برجل أعمال ناجح؛ شاب وسيم، طويل القامة، ذو جسد رياضي وعينين عسليتين تبرقان بالثقة والذكاء. إنه عمار أمجد نصار، صاحب أكبر شركات المعمار في مصر والوطن العربي، والذي استطاع برغم صغر سنه أن يحقق نجاحات مذهلة.
صعد عمار إلى سيارته الفارهة التي كانت تنتظره في الخارج، واتجه مباشرة نحو شركته الجديدة. وأثناء الطريق، رن هاتفه المحمول بإشعار اتصال من صديقه المقرب كريم.
قال عمار بابتسامة: “لحقت أوشك يا كريم؟ ده أنا لسه سايبك من شوية!”
أتاه صوت كريم عبر الهاتف بنبرة جادة: “انت عارف أنا بتصل ليه يا عمار، بلاش نلف وندور على بعض.”
عمار: “طيب ولما انت عارف، بتتصل تقول إيه بقى؟”
كريم: “راجع نفسك يا صاحبي، اللي في دماغك ده مش هيجيب نتيجة، والانتقام هيتعبك أنت الأول.”
عمار بصرامة: “متخافش عليا، أنا قادر على كل حاجة ومش هظلم حد، أنا راجع أخد حقي القديم وبس.”
كريم: “الحب والكره وجهان لعملة واحدة، خبالك.”
عمار: “متقلقش، أنا قفلت باب قلبي خلاص، والحب ده مش موجود في قاموسي، أنا راجع أخلص ثأر قديم وأمشى. المهم، متنسيش تكلمني أول ما تتم الأمور، والكل في الشركة فاكر إنك أنت المالك الحقيقي مش أنا صح؟”
كريم: “أنت حر يا عمار، بس ربنا يستر من اللي جاي.”
أنهى عمار الاتصال وظل ينظر من زجاج السيارة إلى شوارع القاهرة التي تغيرت كثيراً خلال السنوات الخمس الماضية. وصل إلى مقر الشركة، ودخل بكل هيبة ووقار وسط نظرات الموظفين ودهشتهم. توجه مباشرة إلى مكتب الإدارة العليا.
الفصل الرابع: لقاء الأطياف القديمة
جلس عمار خلف مكتب رئيس مجلس الإدارة بكل ثقة، ثم طلب عبر الهاتف الداخلي حضور سكرتيرة المكتب.
دخلت نيفين بتردد وقالت: “تحت أمر حضرتك يا فندم.”
عمار ببرود: “انتي عارفة أنا مين؟”
نيفين بتوتر بالغ: “أيوة، مستر كريم منصور المالك الجديد للشركة مش كده؟”
عمار بابتسامة خفيفة: “أممممم، ومين قالك الخبر ده؟”
نيفين: “مستر حسين قال للأستاذة مرام، وأنا عرفت منها.”
عمار باهتمام ظاهر: “مين مرام دي؟”
نيفين: “مرام هي المسؤولة عن الحسابات وأهم موظفة هنا، ومستر حسين بيعتبرها زي بنته.”
عمار بجدية: “تمام. عايز ملفات الحسابات الخاصة باخر ستة شهور، روحي للأستاذة مرام وخليها تجبهم لي هنا حالاً، فاهمة؟”
نيفين: “حاضر يا فندم.”
خرجت نيفين من المكتب متجهة نحو مكتب مرام التي كان التعب والإرهاق واضحين على وجهها.
قالت نيفين بلهفة: “مرام، المدير الجديد عايزك جوه حالاً، ومعاكي آخر ملفات للحسابات.”
مرام بهدوء: “أنا مجهزة كل الملفات ومنظماا من بدري. يلا هروح أخلص المقابلة دي وأرتاح.”
ذهبت مرام بخطوات ثابتة نحو مكتب المدير الجديد. طرقت الباب ودخلت بعدما سمعت الإذن بالدخول. ما إن دخلت حتى شعرت برائحة عطر مألوفة جداً تذكرها بأيام مضت، ولكنه نفضت الفكرة من رأسها. كان المدير يغطي وجهه وهو يقف أمام النافذة الكبيرة واضعاً يديه في جيبيه.
قالت مرام بصوت هادئ: “صباح الخير يا فندم، أنسة نيفين قالت إن حضرتك طلبتني.”
بمجرد أن استمع إلى صوتها، خفق قلبه بقوة شديدة؛ هذا الصوت لم يفارق أذنه طوال سنوات الغياب! استدار عمار ببطء ليقابلها، وهناك التقت الأعين في صدمة كبرى أخرست الألسنة. صمت طويل دام بينهما، وكل منهما يحمل في جوفه آلاف الأسئلة دون جواب، وشوق دفين تحول إلى جمر.
قالت مرام بصوت منخفض مهتز: “أنت… عمار؟!”
اقترب منها عمار بخطوات بطيئة وعلى وجهه ابتسامة ساخرة: “مرام سالم الأسيوطي، 25 سنة، خريجة تجارة، وبارعة في إخفاء الحقيقة! طبعا مكنتيش متوقعة إني هارجع تاني للبلد دي، وكنتي فاكرة إني خلاص انتهيت وانتي هتعيشي حياتك بسلام وخلصتي مني للأبد!”
مرام بدموع محبوسة: “عمار… أرجوك اسمعني.”
عمار بحدة: “بشمهندس عمار لو سمحتي، ما تنسيش مقامك في الشركة.”
مرام بصدمة: “أنت بتعمل إيه هنا أساساً؟”




