
عمار: “المفروض أنا اللي أسألك السؤال ده، لأن دي شركتي بالكامل وأنا المدير الحقيقي هنا.”
مرام: “المدير الحقيقي! إزاي ومستر كريم هو اللي اشترت؟”
عمار: “أنتِ معلوماتك ناقصة، أنا الشريك الأكبر وراء كل ده.”
مرام بانفعال خفيف: “إيه اللي رجعك تاني يا عمار؟ وعايز إيه مني بالتحديد؟”
اقترب منها عمار أكثر حتى أصبح يقف أمامها مباشرة، وبنظرات حادة قال: “بجد عايزا تعرفي أنا هنا ليه؟ أنا هنا علشان أضعك أمام المسؤولية، علشان أرجع حقي اللي ضاع، وعشان تعرفي معنى الوجع اللي عشته لوحدي طوال السنين اللي فاتت!”
حاولت مرام كتم دموعها وقالت بضعف: “أنا معملتش حاجة تستاهل كل القسوة دي يا عمار، اسمعني بس…”
عمار ببرود قاطع: “مش عايز أسمع تفسيرات ولا كلمات مكررة. شغلك هنا هيكون تحت شروطي الصارمة، واعتبري نفسك تحت الاختبار الدائم.”
تركته مرام وخرجت من المكتب بدموع تسيل على وجنتيها، لم تعد تحتمل صدمة رؤيته بعد كل هذه السنوات وبهذه القسوة. وبينما هي تغادر الشركة، ركضت في ممر الاستقبال لتصدم بشاب يمد يده ليمنع سقوطها.
قال معتز بقلق: “محتاج تاخدي بالك يا مرام، فيكي إيه؟ مالك منهارة كده؟”
مرام ببكاء مرير: “تعبت يا أستاذ معتز، أقسم بالله ما عاد فيا طاقة لأي صدمات جديدة في حياتي.”
معتز بحنان: “اهدي، تعالي نقعد في مكان هادئ وتفهطيني إيه اللي حصل.”
مرام: “لأ أرجوك، خليني أمشي أروح بيتي دلوقتي، وتعبانة ومش قادرة أكمل اليوم.”
معتز: “حاضر يا مرام، طمنيني عليكي لما توصلي البيت من فضلك.”
غادرت مرام الشركة وهي تائهة بين ذكريات الماضي وقسوة الحاضر، متوجهة نحو منزلها لتلقي بنفسها على الفراش هرباً من عالم لا يرحم الضعفاء.
الفصل الخامس: ظلال الماضي وحقائق القلوب
في ذات الوقت، كان إسلام قد انتهى من ترتيب أموره ونزل إلى القاهرة في إجازة قصيرة، فقرر الذهاب لزيارة رهف ليطمئن عليها ويفاجئها بخطوة جديدة تزيد من استقرار مستقبلهم. التقاها قرب الجامعة ودفع لها مبلغاً مالياً كبيراً جمعته إحدى الجمعيات التعاونية التي يشترك فيها، لتتمكن من دفع باقي تكاليف العملية الجراحية لقلبها.
قالت رهف بدموع الفرح: “يا إسلام اللي بتعمله علشاني ده كتير قوي، أنا مش عارفة أشكرك إزاي!”
إسلام بابتسامة دافئة: “رهف، أنتي عارفة إنك بالنسبة لي الحياة كلها، ومافيش حاجة غالية قصاد إنك تبقي كويسة وتعيشي معايا العمر كله.”
وفي المقابل، كان عمار جالساً في فيلته الفخمة يقلب أوراق الماضي، بينما والده أمجد نصار يحاول تهدئته وتوجيه تركيزه نحو المستقبل والعمل بدلاً من اجترار آلام الماضي والانتقام.
تمر الأيام ثقيلة على مرام بين قسوة زوجة عمها سميرة التي لا تترك فرصة إلا وتطالبها بالمزيد من الأعمال المنزلية الشاقة، وبين ضغط العمل المستمر في الشركة تحت إشراف عمار الذي كان يتعامل معها ببرود وقسوة مهنية متعمدة.
وفي صباح يوم جديد، تكرر ذات المشهد الصباحي؛ استيقظت مرام على صوت زوجة عمها وهي توقظها مبكراً لتنجز أعمال المنزل الإضافية قبل الذهاب للعمل. تحملت مرام بصبر جليل وأنهت ما طلب منها، ثم جهزت أختها رهف وأرسلتها إلى جامعتها وهي تحاول رسم ابتسامة مزيفة على وجهها لئلا تشعر أختها بأي هموم إضافية.
وصلت مرام إلى الشركة في موعدها، ودخلت مكتبها لتبدأ في مراجعة الحسابات والأرقام بدقة بالغة. وفي تلك اللحظة، فتح باب مكتبها ليدخل عمار بصحبة بعض الملفات.
نظر إليها بجدية وقال: “أستاذة مرام، الملفات دي لازم تراجع بدقة قبل اجتماع مجلس الإدارة بكرة الصبح، ومافيش مجال لأي أخطاء.”
نظرت إليه مرام بثبات وقالت بصوت هادئ: “متخافش يا بشمهندس عمار، الشغل هيكون جاهز في ميعاده وبدون أي أخطاء، تماماً زي ما اتعودت دايماً.”
نظر عمار في عينيها لبرهة كأنه يبحث عن شيء ضاع منه منذ سنوات، ثم تراجع بخطوات سريعة وغادر المكتب دون أن يضيف كلمة واحدة، تاركاً خلفه قلباً ينبض بالشوق والوجع في آن واحد، وقلباً آخر يحاول جاهداً إخفاء نيران الحب تحت رماد الكبرياء والانتقام.
الفصل السادس: نحو صفحة جديدة
في الأيام التالية، ومع استمرار التحديات وضغوط العمل، بدأت جدار القسوة التي بناها عمار حول قلبه تتداعي تدريجياً أمام إخلاص مرام وتفانيها البالغ في عملها رغم كل الظروف القاسية التي تعيشها في منزل عمها، ورغم مرض أختها. بدأ يدرك شيئاً فشيئاً أن ما أُشيع في الماضي لم يكن سوى سوء فهم كبير دبره أناس أرادوا تفريق طريقهم.
وفي مساء أحد الأيام الباردة، وبعد أن انتهت مرام من عملها الشاق وهمّت بمغادرة الشركة، وجدته يقف أمام سيارتها في الموقف الخارجي بانتظارها.
اقترب منها عمار وقال بصوت يحمل نبرة اعتراف صادقة: “مرام… ممكن تديني دقيقة واحدة أقولك فيها الحقيقة اللي ضيعتنا سنين؟”
توقف مرام في مكانها ونظرت إليه بدموع تلمع في عينيها وقالت: “اتفضل يا عمار… سامعاك.”
بدأ عمار يروي لها تفاصيل ما حدث قبل خمس سنوات وكيف تلاعب أطراف خارجية بالحقائق لتبعدهما عن بعضهما، وكيف عاد ليجد الحقيقة الناصعة أمام عينيه الآن. استمعت له مرام بقلب ينبض بالحنين والراحة، وكأن جبلاً ثقيلاً انزاح عن صدرها أخيراً.
قالت مرام بصوت رقيق: “كنت متأكدة يا عمار إن اللي بيننا أكبر بكتير من أي ظن سيء أو فراغ سنين.”
ابتسم عمار بابتسامة حقيقية ظهرت لأول مرة منذ عودته، وقال: “ولا فراغ ولا سنين هتقدر تمحي اللي في قلبي… مستعد نبدأ من جديد؟”
أومأت مرام برأسها إيجاباً وابتسمت وسط دموع الفرح، لتشرق شمس الأمل من جديد في حياة كادت أن تستسلم لليأس، مؤكدة أن الصبر والإخلاص هما مفتاح الفرج واللقاء بعد طول غياب.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




