
البارت الثاني
كانت خديجه تندفع لتحس بيد تقبض علي يدها برفق لتمنعها من الاندفاع وتدخل مكتبه ويغلق الباب. فصرخت: انت ازاي تمسك ايدي كده فيه ايه؟ اقترب بجدية: انت تلمي لسانك، انت مش عارفه انا ابقي مين؟ هتفت غاضبه: وانا مالي بيك يا عم الله! لتدمع عيونها فكانت لا تحب الشجار والصوت العالي. ليجدها تدمع هتف: هو انا كل ما اكلمك تقلبى عياط كده؟ قالت پغضب: انا عايزه اعرف انا جيت جنبك؟ أنت دايماً مكشر وعصبي! قال بسخريه: وبتشتغلي ايه هنا؟ لتهتف: بشتغل في المحاسبه، امشي بقه! رفع حاجبيه: والله في المحاسبة؟ ومين شغلك؟ نظرت اليه غاضبه: ماتحترم نفسك! قال بسخريه: ماتبصي لنفسك! هنا اشتعلت واقتربت: ماله نفسي؟ لابسه ومحترمه ومفيش في أخلاقي شائبة! رفع جبينه من قوتها: واضحة المحترمه! نظرت بعيونه ليتراجع من نظراتها القوية: إنسان متكبر! لينفعل: انا متكبر؟ لتخبطه علي صدره: اوعي انت واحد غريب الاطوار! وتستدير لتخرج. فصړخت: عيب كده منك لله! فحاول منعها من الحركة فابتعدت عنه بحدة: لو فاكر اني هسكت لطريقتك تبقي غلطان، انا مش بحب الخناق بس مش هسمحلك تتهمني! فرفع حاجبيه: لا والله؟ عارفه انت محتاجة تاخدي بالِك من أسلوبك في الكلام! دفعته: وانت كمان اتعامل بعقل، انت مين اصلا؟ اندفع ليهتف: انا صاحب الشركه يا آنسة! لتبهت وتسكت وتدمع عينها فخافت حقاً. قال بنبره حادة: بلاش الطريقة دي مرة تانية. اندفعت واستدارت لتهتف بمهادنه وتبتلع ريقها: انا اسفة لحضرتك، ممكن امشي؟ ظل يتاملها وهيا قد احمرت عيناها فهمست برجاء: ارجوك بلاش خصم أو مشاكل. هتف بتعالي: انت بتشتغلي من قد ايه؟ لتقول: بقالي شهر.. قال واسمك ايه؟ قالت: خديجه.. لينفعل قليلاً: عايز افهم اسلوبك الحاد ده! تجلدت وكبتت دموعها: انا آسفة يا فندم. تنهد هو: اتفضلي، ومن هنا ورايح الكلام يكون في إطار الشغل وبأدب. تركته لتنزل دموعها وتجري فخبطت في احد الاشخاص فبهت وقال: ايه فيه ايه؟ انفجرت في البكاء فتراجع: مالك تعالي ارتاحي ثانية.. فأجلسها بلطف: اهدي كده فيه ايه؟ كانت تحس بالاهانه وكبتها لنفسها من اجل عملها، فنظر اليها بحنان: ايه هديتي؟ هزت راسها بهدوء. فهمس: يا جمالو مين القمر اللي نزلي من السما ده؟ تنهد وقال: ممكن اعرف مين اللي مزعل القمر؟ لتتبسم خجلاً: مفيش شكرا لحضرتك. فقال: والله ابدا انا مازن، اخو المدير العصبي ده! ضحكت: هو انت اخو حمزه بيه؟ دا مجنون! ضحك هو: معلش اصله مقفل شويه. قالت غاضبة بلطف: دا معصبني خالص! ضحك مازن: معلش اعتبريني ضهرك هنا ماشي؟ ابتسمت له وخرجت.
دخل عليه شريف: ايه يا كبير، شكلك مبسوط! بهت مازن: مبسوط بايه يا اهبل مالك؟ قال مازن: خديجه دي إنسانة محترمة وشغولة جداً. ضحك شريف وقال: فعلاً ممتازة وربنا يوفقها. وتركه ورحل، لتلمع عين مازن برغبة في التقرب منها بطريقة مهذبة.
كان حمزه جالسا يعمل ليدخل عليه مدير الحسابات يناقشه، فسأله حمزه عن خديجه، فرد الرجل بأنها بنت متفوقة وهادئة جداً. تنهد حمزه وقال: تمام، ابعتهالي عشان تراجع معايا الحسابات. انصرف السكري ووقف حمزه يتأمل طيفها متسائلاً عن سبب سيطرتها على تفكيره.
دخلت سهام علي حمزه لتتحدث معه في بعض الأمور المعتادة وتطلب منه الخروج للغداء، فوعدها بأنه سيلحق بها لاحقاً وانصرفت مفعمة بالأمل.
ذهب مازن إلى السكري وطلب أن ترافقه خديجه في بعض المهام الخارجية الخاصة بالحسابات، فوافقت وذهب لتبلغ حمزه بالتقرير. دخلت عليه فوقفت بهدوء، تحمحمت ولم يرفع رأسه لتتنهد وتقول: مستر حمزه، تقرير الحسابات جاهز. رفع رأسه ونظر إليها بحدة مصطنعة: وانت واقفة بعيد كده ليه؟ هو انا عندي مرض جلدي؟ قالت باستنكار: ايه حضرتك بتقول ايه؟ قال حانقا: هتشتغلي ازاي وانت دايماً متبعدة؟ قالت پغضب: معلش يا مستر حمزه هو حضرتك بتكلمني كده ليه؟ هتف غاضبا: لإنك دايماً حادة في كلامك! لتنظر اليه پقهر: الرزق بايد ربنا، وشايفني باعمل بأمانة.. غاضبا اقترب منها فابتعَت بحدّة: ماتتعداش حدودك معي! دخل مازن ليسمع اخيه: فيه ايه يا حمزه؟ وايه الاسلوب ده يا خديجه؟ نظر حمزه الي اخيه پغضب. فاقترب مازن من خديجه ليهدئها: طب حصل خير يا خديجه.. نظر حمزه مشتعلاً: هو انت كل ما تدخل تدافع عنها؟ قالت خديجه بغضبة: انا ماشية من أصله! وخرجت وهي تبكي.
عند مازن وخديجه كان يهدئها بلطف: معلش حقك عليا، هو أحياناً بيكون عصبي.. ابتسمت خجلًا وقالت: شكراً لحضرتك يا مستر مازن، انا هكمل شغلي. سمع حمزه صوتهم فخرج غاضباً ليجد مازن يتحدث معها بابتسامة، فصاح بحنق: إيه اللي بيحصل هنا؟ فقال مازن: مافيش حاجة يا حمزه، دي الزميلة بتخلص شغلها! غادر حمزه وهو يشتعل غضباً في داخله دون أن يعرف سبب هذه الغيرة الملتهبة، وفوجئ بها تقف قرب الأسانسير فتوجه إليها ليعاتبها، ولكنها دخلت سريعاً وهي تعاني من رهبة الأماكن المغلقة، فتركته وخرجت مذهولة بينما وقف هو ينظر إلى اثرها بدهشة وإعجاب خفي يحاول نفيَه.
البارت الثالث
مرت الايام من اخر صدام بين حمزه وخديجه وهيا تحاول قدر الإمكان تفادي مكتبه، وهو لا يعلم لماذا أصبحت تملكه تفكيره بالكامل حتى أصبح يفتقد رؤيتها. في يوم اجتماع بالشركة، استدعاها لمكتبه، دخلت فوقف ينظر إليها بتعالي يخفي خلفه رغبة جامحة في القرب: يلا عشان هنخرج لمهمة عمل. لتبهت هيا: نخرج نروح فين؟ هتف بجدية: لمهمة تخص الحسابات برة الشركة! تنهدت وصمتت وتبعته نحو الأسانسير، فلما اقتربت توقفت برهبة لأنها تخاف الأماكن المغلقة، فهتف بحدة خفيفة: ماتيلا متوقفة ليه؟ فقالت بخوف: معلش يا فندم انا بطلع على السلالم.. لم يتحمل رؤيتها مترددة فجذبها برفق للداخل وأغلق الباب ليشغل اللิفت، ثم فتحه فوراً لتخرج وهي تلهث وتجلس على الأرض منكمشة من تأثير الخوف. نظر إليها بندم وقلق، فقالت بدموع: أنت ليه بتعاملني بالطريقة دي؟ أنا عملتلك إيه لكل القسوة دي؟ تنهد وقال بصوت خفت حدته: انا مش بقسوة، بس اعصابي بتلف مع طريقتك.. استندت على الجدار وابتعدت عنه بدموعها وهي تقول بقهر: ربنا يسامح الجميع، أنا بكره القسوة والنفوس اللي من غير سبب! واستدارت منصرفة وهي تحاول تمالك نفسها للتمسك بعملها. وقف هو مكانه يراقب انصرافها بقلب ينبض باضطراب، وشعر لأول مرة أن دفاعه المستميت وغضبه لم يكونا سوى قناع لحقيقة أخرى بدأت تتكشف في قلبه وروحه دون إرادة منه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




